روسيا و أمريكا : الصديق الوفي و صديق السوء

ر

صُدِم العالم بأسره مؤخراً بالقرار الحاسم الذي اتخذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين , بالتدخل العسكري المباشر في سوريا , والذي غير معطيات المعركة في سوريا بين ليلة و ضحاها , ليصبح الأسد في طريق النصر المؤزر بالفتوحات و استعادة الأراضي التي خسرها سابقاً.
في وقت لا تزال الدول الصديقة للمعارضة السورية تقف غير متزنة , فتارة تهدد و تارة ترى أن التعاون مع روسيا هو الحل و تارة تلوح بدعم المعارضة و أخرى تبحث عن لقاء مع الرئيس الروسي لمناقشة محاصصة من نوع ما , و يبقى القيصر الروسي متزناً واعياً خطورة ما أقحم جيشه به , لكنه متأكدٌ أن النصر من نصيبه دون منازع .
و لكثرة النقاش الذي ملأ العالم حول التدخل الروسي و ما أهدافه , حتى بات الحديث مستهلكاً غير ذي جدوى مع كل الآراء وتضاربها خاصة الصادرة من الدول الكبرى كأمريكا و فرنسا و حتى ألمانيا .
قررنا في موقع السوري أن نرجع في التاريخ قليلاً , لنجري مقارنة بسيطة بين الحلف الروسي و الحلف الأمريكي ومن هو الصديق الوفي ومن هو صديق السوء :
نبدأ بقول لحافظ الأسد , الذي حدد بكل وضوح من هو صديقه الوفي منذ عقود :

“إننا نضع نصب أعيننا أن معركتنا طويلة وقاسية ، ولكننا نثق بقدرتنا على خوضها حتى النهاية المظفرة لأننا أصحاب حق ولأننا نملك إرادة القتال والتصميم على النصر ونملك إمكانات تحقيق النصر بقوتنا الذاتية التي نعززها وبدعم جماهير أمتنا، ودعم أصدقائنا المخلصين في العالم“

فالصديق الوفي هو من سيقف مع الأسد الأب و الابن في المعركة الطويلة و القاسية , دون تراجع عن قراراته , و دعم مطلق لإرادة القتال حتى النهاية و النصر , و هو الدور الروسي بكل جدارة , و الإيراني دون نقاش , حليفين لم يتوقفا لحظة عن دعم الأسد بل و زادوها بإرسال جيوشهم لدرء خطر السقوط , و هم أنظمة يسميها الغرب بالشمولية و الديكتاتورية و يتهمها بعدم احترام حقوق الانسان إلى ما هنالك .
في الوقت الذي اختارت المعارضة أصدقاء من نوع آخر , أصدقاء يتحدثون عن الديمقراطية و الحرية وتحقيق المساواة في المجتمعات و الأخوة و نبذ الطائفية و تحقيق التعددية السياسية .. إلخ
لكن ماذا حصل حتى نجح الحلف الروسي السوري الأسدي _ على الأقل حتى الآن_ , و فشل الحلف الأمريكي السوري المعارض , لابد أن هناك دلائل على خطأ ما على مدى سنوات الحرب السورية تشير إلى أن ما حصل لم يكن صدفة .
منذ بداية الثورة وقفت أمريكا و فرنسا و عدد كبير من حلفائهما في صف الشعب السوري المعارض لنظام الأسد , ودعمته كلامياً و مادياً و حتى عسكرياً _ لفئات بعينها _ لكن أمريكا التي تمتلك حق الفيتو _ مثل الروسي تماماً _ لم تستخدمه يوماً لمصلحة المعارضة السورية في المحافل الدولية , و لم تبدي وضوحاً في آلية دعم المعارضة و من يتم تمويلهم و تسليحهم , بل اعتمدت في اتخاذ القرار في أغلب الأحيان على دولتي قطر و السعودية و دول عربية و إسلامية أخرى لدعم المعارضة , ما ساهم بانتشار السلاح بشكل فوضوي و ليس ذلك فحسب , بل انتشرت القاعدة أيضاً في سوريا و لم يحظ الجيش الحر _ الذي سعت تلك الدول لتأسيسه _ بفرصة أمام تنامي دور القاعدة على الأرض السورية , بل سلّمت تلك الدول شؤون إدارة المجموعات المسلحة إلى أناس غير مؤهلين , و على أسُسٍ طائفية و مذهبية شديدة التحيّز , ما دعم صعود القوى المتطرفة التي أعدمت و اغتالت الضباط السوريين المنشقين , ليصبح قادة الحر فجأة كلهم من فئة المشايخ الجاهلين عملياً لأسس العمل العسكري , و تناحرت الكتائب مع بعضها بشكل كبير و تمزقت حسب رغبة الممولين و أعضاء الائتلاف و الأخوان الساعين لإثبات قوتهم على أرض بهدف تحقيق غايات منها الشخصية و منها ما يرضي الممولين , و بدأت محاولات الاندماج التي باءت بالفشل عشرات المرات و زادت الضعف في صفوف الحر ليظهر بعدها للعلن كل من النصرة و تلتها داعش , و الذين حصلوا على تسهيلات خاصة من النظام السوري _ و هنا لا أقول أن السلطات السورية هي من أنشأتهم لأن ذلك سيعني أنهم أقوى استخبارات في العالم بأسره _ لكن أقول أن السلطات السورية و أجهزة المخابرات العسكرية الأسدية فتحت المجال لسقوط قطع عسكرية كبيرة بكامل عتادها و سلاحها و ذخيرتها في يد المتطرفين الجدد , ليصبح هؤلاء قوة لا منازع لها , و لتصبح بعدها داعش والنصرة أختها الصغرى كابوساً.
ما أردت قوله , أن الروس و الإيرانيين كانوا يدعمون جيشاً و قيادة و لم يدعموا ميليشيات بأهداف متناحرة , كما فعل الأمريكان و حلفاؤهم , ورغم قدرة أمريكا على ضبط ذلك كله لكنها لم تفعل , فهل كان هدفها الفوضى !! وإضعاف المعارضة في وقت سعت إيران و روسيا لإبقاء الأسد قوياً قدر الأمكان !
ومن ناحية أخرى , سمعنا عن الحظر الجوي و دعوات كبرى على الأنترنيت للتدخل الأمريكي في سوريا منذ السنة الأولى لبدء الاحتجاجات , و استمرت حتى نهاية عام 2014 تقريباً , لكن أمريكا لم تقدّم أي دعم جوي , و استمرت بسياستها المتاجهلة للأزمة السورية التي بدأت تكبر أكثر فأكثر , و حتى عندما طالبت تركيا بدعمٍ لإنشاء منطقة حظر جوي , في الشمال السوري , وطالبت الناتو بحماية حدودها كحق طبيعي . فإن الرد الخجول الأمريكي كان غريباً إذ قدمت أمريكا و ألمانيا منظومات باتريوت و وضعتها على الحدود التركية السورية و بعد أشهر قليلة أعلنت نيّتها عن سحبها !! و عندما تحدث أردوغان عن نيته إنشاء منطقة عازلة , في شمال محافظة حلب , لم توافق الإدارة الأمريكية ! ولا زالت تعارض و بقوة تنفيذها , كل هذا في وقت قامت روسيا خلال ساعات من إبلاغ الدول التي تهتم للشأن السوري أنها سوف ترسل جيشها إلى سوريا , و فعلت دون موافقة أحد و خلال أيام قليلة أصبح الساحل السوري أقوى منطقة أمنية محظورٌ الطيران فيها و لا يقوى أحد على اختراقها , و ليست روسيا فحسب بل أيضا أرسلت الصين بارجاتها , أي أن الساحل السوري أصبح يمتلك أقوى قبة مدرعة في العالم حسب رأي خبراء .
و تابعت روسيا بأن دخلت الحرب بسلاحها الجوي و جيشٍ بري , أي انها كانت صديقاً وفياً للاسد بكل معنى الكلمة .
هذا ما تحدث عنه حافظ الأسد , دول صديقة في العالم لا تتخلى عنك مهما فعلت , تدعمك في حروبك حتى النهاية , هي خارطة متشابكة رسمها عقل الأسد قبل عقود و ما تزال سارية المفعول مع بعض التعديلات , إيران روسيا و حلفاؤها جميعاً من الصين وصولاً إلى مصر و ربما كوريا الشمالية و الهند قريباً و غيرها .
أما أمريكا فكانت و كل حلفاءها تأخذ دور صديق السوء , فدعمت تقنياً و إعلامياً الثورة , و جردتها من كل مقوماتها عن عمد و سابق إصرار و تصميم , لخلق منطقة نزاع دامي طويل الأمد ينتهي بتقسيم سوريا , و هي الحقيقة و ليست ما يشاع عن أن الأسد يريد ذلك مع روسيا , و الأيام ستثبت ذلك حتى لو كرهنا لكنها الحقيقة , فالأسد يسعى جاهداً لاعادة المناطق الخارجة عن سيطرته الآن , مثل الرقة و دير الزور و تدمر و غيرهما , و بالتالي حدود الدويلة العلوية التي سوقت لها قنوات الجزيرة و العربية و مررتها على أنها حقيقة لم تكن سوى محاولات لتحريض الشعب السوري الذي انهكته الحرب , و قرر الانسحاب إلى دول يأمن فيها على حياته و حياة أبنائه , بعد أن خذله ” أصدقاء الشعب السوري ” و المعارضة السياسية طيلة أبع سنوات مريرة .
و بالعودة إلى الصديق الوفي و صديق السوء , و عندما نراقب الأهداف التي ضربتها روسيا لقواعد و مخازن و مستودعات النصرة و داعش في سوريا _ و هنا لا نتحدث عن استهداف المدنيين فهو أمر مفروغ منه كون تواجد تلك القوات في مدن مأهولة و الضربات الروسية تستخدم أسلحة خارقة عملياً و تعتبر كما يعتبر النظام السوري أنهم حاضنة للإرهاب _ فإننا نجد أن الأهداف التي ضربتها روسيا خلال أيام هي أكثر جدوى و دفعت داعش للانسحاب من شرقي محافظة حماه إلى الرقة ومن شرقي حمص إلى ما بعد تدمر , كما استهدفت مستودعات أسلحة لداعش في الرقة و سيارات النفط السوري المسروق و الذي يمثل عصب الحياة لداعش , في الوقت الذي كانت القوات الأمريكية تحميه بكل وضوح و لم ننسى بعد تقرير الجزيرة التي التقت مع مقاتلي الكورد و صرحوا للعلن أن أمريكا هددتهم إذا ما قطعوا تلك الطريق و هددوا القوافل المارة لداعش , فعملياً كانت داعش تزدهر و تتمدد بوجود الضربات التي تنفذها الإدارة الأمريكية التي كانت تعطينا إبرة “بنج ” كل شهر فتقول مقتل قيادي بارز في داعش بغارة جوية أمريكية و نتفاجأ أن هذا القيادي هو فقط ” هكر ” يعمل على صفحات تويتر والفيس بوك !!!!
و قبل أن ننهي هذا الجزء من مقال ” الصديق الوفي و صديق السوء .” .. دعونا نسأل أنفسنا كيف أن أمريكا لم تجد سوى خمسين مقاتلاً معتدلاً في كالمعارضة السورية , و في أحسن الأحوال وجدت 200 في شعب كامل !!! ألم تكن هي الضربة القاصمة عملياً للمعارضة و اعتراف صريح و على الملأ أن المعارضة السورية متطرفة بالكامل . ثم أن أمريكا تكلفت على كل جندي ملايين الدولارات و أعطتهم أسلحة متطورة و منها ” سلاح مضاد للدروع و آخر للطيران المروحي ” و فجأة خانوها قبل ساعات من بدء الهجمات الروسية , و سلمت الأسلحة للنصرة . ألا يحق لنا هنا أن نسأل لما هذه المسرحية الهزلية ؟!

و في نهاية هذا الجزء , نقول حمى الله سوريا و شعبها الطيب الذي هجر و شرد بتواطئ دولي و عربي واضح .

السوري اليوم

اترك رد