الحديث الآن عن الوطن والمواطنة بات كالصلاة في بيت الدعارة

د.ناصر النقري

رأي الدكتور ناصر النقري

المتتبع لأحداث الثورة علناً وفي الكواليس يدرك تماماً أنّ السرعة الكبيرة التي تأسلمت فيها الثورة كانت قياسية وكانت وليدة مؤثرات داخلية مباشرة. بتعبير آخر الأسلمة جزء لا يتجزأ من الثورة والشعارات “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد” كانت تعبر عن الأماني وليس عن القناعة الكامنة في النفوس!.
الحماصنة يذكرون جيداً عام 2011 كيف كانت جثث العلويين مرمية مذبوحة في الشوارع وفقط لأنً أصحابها علويين كفار وطبعا نظام!،خاصة بعد مجزرة الساعة التي ارتكبها النظام وبقوات أحضرت من خارج حمص أصلاً!.
الأمر باختصارٍ شديدٍ يمكن تلخيصه أن الثورة قامت فقط لإستبدال حاكم علوي سيء مع حاشيته بأخر سني ولا يهم إن كان أسوء منه، الأهم ان يكون سنياً!, بقية الشعارات كانت مجرد شعارات لا أكثر والدليل أن تلك الشعارات لم تطبق مطلقاً في أية منطقة محررة!.
من الخطأ بمكان لوم أي طائفة لسعيها أن يكون الحاكم منها، هذا طبيعي وهذا من خصائص الشعوب التي تعيش في المراحل الجنينية لتطورها المجتمعي والمتشبعة بثقافة المذاهب ناهيك عن الطائفية الكامنة في النفوس بحيث تكاد تكون الطائفية هي الظاهرة الأكثر انتشاراً بين السوريين وربما تنافس ظاهرة الرشوى السائدة في الدولة أنذاك!.
الملفت للنظر هو نوعية تلك الطائفية بحيث أن الطائفية لدى السنة تختلف كثيراً عن الطائفية لدى العلويين لأن محرك الطائفية ووقودها هو العامل الديني عند السنة بينما مختلفة جذرياً عند العلويين!، العامل المذهبي الديني للساعة لم يلعب اي دور في تقوقع العلويين لأنه للساعة لا مشكلة دينية مذهبية بين العلويين وبين السنة المؤيدين مثلاً أو بينهم وبين السنة الصامتين علماً العلويين يدركون جيداً ان ذلك الصمت عادة مرده مراعاة الوضع العام وليس رفض التطرف وانعدام الطائفية لدى اصحابه!، التحريض الطائفي الخليجي عموما جعل السنة يشعرون أن سنيتهم تلزمهم أن يكونوا هكذا لأن ذلك من اصول الدين الحنيف!، غسل الأدمغة الذي تعرضت له الطائفة السنية في سورية كافيا لأن يجعل من الرضيع طائفيا!! . طائفية الحركات السنية المتطرفة تلزمها شرعا بالنظر لأي علوي كمشروع قتل لأنه كافر وهذه الثقافة باتت منتشرة عمليا بكل سورية!، حتى غالبية المواطنين العاديين في كل المناطق المًحررة شكلا يعتبرون الطائفية انتماء وهوية وليس مرضا فتاكا بالمجتمع وبحامله بالدرجة الأولى.
هناك عوامل اخرى لعبت الدور الأساِِسي والجوهري في اصطفاف العلويين حول انفسهم وحول النظام!. العلويين بغالبيتهم العظمى ليسوا فقط غير متدينين بل ويعتبرون ذلك مناقضا لتوجهاتهم العلمانية وبالتأكيد هذا لا ينفي مطلقا ان ما نسبته 2-5% من العلويين طائفيين للنخاع وخاصة من الطبقات الفقيرة والمهمشة . الطائفية العلوية المناطقية المنشأ وبوجود نكهة مذهبية لم تصل بعد لما وصلت اليه الحال عند السنة!.
ربما لأن رجال الدين العلويين لا يملكون أية سلطة على العلويين واصلا لا يوجد مرجعية دينية عليا للعلويين ولا يوجد اي شيء اسمه مركز ديني موحد يجمع العلويين واي شخص عاش بين العلويين يعلم جيدا ان مهمة رجال الدين العلويين تقتصر على امور شكلية كالزواج والوفيات ولا يمكن باي حال مقارنتها مع سلطة رجال الدين السنة لدى الأغلبية السنية!. ربما لاحظ معظمنا أنه للساعة لا يوجد شيخ علوي سوري واحد حمل السلاح ما عدا شيخ واحد وفد من تركيا!.
لن اتحدث عما حصل خلال الثورة من جرائم مروعة ارتكبتها كل الأطراف ولا عن الإصطفاف الطائفي الحاد لأن الكل بشكل أو بآخر يعلمه، سأتحدث الأن عن الحلول الممكنة للخروج من الأزمة والسيناريوهات الممكنة!.

– تنحي النظام والنتائج المتوقعة!

نظريا النظام او رأس النظام قد يسقط لأي سبب كان اللهم الا عسكريا!، وسافترض أنه سقط عسكريا او سياسيا ولنرى ماذا ينتج عن ذلك!.
بداية لا بد من القول ان اعلام الثورة ومنذ اللحظة الأولى حمل العلويين كل جرائم النظام وهذا الخطاب بات شائعا بين السوريين بحيث أي مواطن سوري سني بشكل لاإرادي لا يفرق بين العلويين وبين النظام!، علما للساعة نسبة السنة وغير العلويين في الجيش كبيرة مقارنة مع العلويين لكنها بالتأكيد اقل من نسبة العلويين في المجتمع السوري. العلويين الأن يشكلون ما نسبته 30% من تعداد الجيش وهذا الرقم أكبر بمرتين ونصف عمليا من نسبة العلويين في سورية ولست هنا بمعرض مناقشة سبب ذلك. الأهم ان كل العلويين وبسبب عباقرة الثورة يتحملون وزر كل جرائم النظام هذا من جهة ومن جهة أخرى الحرب الأن ليس فقط ضد النظام كنظام بل ضد النصيريين كما يصرح دائما قادة النصرة وداعش وجند الأقصى علنا وحلفائهم في المعارضة سرا وهذا الخطاب نسمعه عمليا منذ 2012. السؤال كيف سيتصرف العلويين في هذه الحالة؟.
الجواب القطعي هو أنهم سيعلنون فورا الإنفصال وليس حبا بالإنفصال عن سورية بل لقناعتهم المطلقة ان سقوط النظام سيؤدي الى مجازر مروعة بحقهم خاصة في ظل حالة التطرف الشديدة السائدة الأن في المعارضة ككل وفي المجتمع السوري!.
نحن أمام حالة مستعصية حقا!، استمرار سورية بشكلها الحالي مرتبط بإستمرار النظام وسقوط النظام سيؤدي بالضرورة الى تقسيم سورية وبالتأكيد سنجد دول فاعلة وقوية تدعم ذلك الإنفصال بحجة حماية الأقليات وللأمانة وكما يعلم الجميع هذا خطر حقيقي وليس افتراضي خاصة بعد الجرائم المروعة التي ارتكبها النظام في سورية!.
ماذا لو بقي النظام بشكله الحالي مع تغير رأس النظام!، هل ذلك كاف لمنع تفكك سورية ؟؟
جوابي القطعي لا، لأنه ما من أحد قادر على تغير طريقة تفكير السوريين ككل ونظرتهم للأمور خاصة ان العلويين لاحظوا كيف أن أقرب رجال النظام من السنة الى رأس هرم النظام باتوا من دعاة القتل الطائفي العشوائي بعد انشقاقهم وباتوا ألعوبة بيد الحركات الإرهابية السنية.
من هنا أقول: حتى ان تم استبدال بشار الأسد بشخصية سنية مؤيدة له من النظام هذا لن يقنع العلويين او الأقليات الأخرى بالبقاء في بلد واحد مع من يعتبر النصرة وداعش وأخواتهما ثورة!!. أكبر خطأ يرتكبه البعض هو انهم ينظرون لبشار الأسد على أنه شخص بعينه، بشار الأسد الآن من ضمن تيار متماسك بالرغم من كل شيء وهذا التيار وجد نفسه مع بشار الأسد فقط ليحمي نفسه من التطرف الذي انتشر في عموم سورية والمفارقة المضحكة أن بشار لعب دوراً كبيراً في ظهور حالة التطرف تلك!.
المشكلة الأخرى والتي تلقي بظلالها على المشهد العام ككل. العلويين يعيشون حالة استنزاف قاسية جداً نتيجة الحرب الدائرة واستمرار الحرب لسنة أو سنتين ستجعل من استمرارية العلويين كطائفة متوازنة أمراً معقداً جداً, إن كانت تلك الحالة لا تظهر بشكل واضح لدى الأغلبية السنية نظراً لعددها إلا إن ذلك يبدو للعيان وملموس الآن لدى العلويين ناهيك بعد سنة أو سنتين من استمرار الصراع!,.
العلويين للساعة فقدوا ما نسبته 10- 12% من شبابهم في هذه الحرب المجنونة ونسبة لا تقل عن 5% تلقوا اصابات سببت لهم عاهات دائمة, علينا أن نلاحظ أن العلويين يفقدون شبابهم بعكس الآخرين الذين يخسرون كافة الفئات العمرية نتيجة القصف الجوي والمدفعي!.
السؤال الآخر والأهم ما هو الحل وما هو المخرج؟؟.
بالتأكيد الحل الوطني هو المخرج لكن الحديث عن الوطن والوطنية الأن كالصلاة في كرخانة!!.
بقاء النظام يعني استمرار الحرب لسنوات وبالنهاية تفكك سورية عشوائيا ورحيله يعني تفكك سورية واقامة ليس فقط دولة علوية تضم بعض الأقليات الآخرى بل واقامة امارات متناحرة وبالتأكيد اقامة بشكل أو بآخر دويلة كردية حتى ولو على مساحة جغرافية محدودة!.
شخصياً وبالرغم من قناعتي المطلقة بضرورة الحفاظ على سورية موحدة جغرافياً إلا أنني لا أرى أي مخرجاً آخر سوى التقسيم خاصة أن معارك المعارضة في الشمال أصلاً كانت لتكريس تقسيم فعلي على الأرض.
إن كان في التقسيم مخرجاً لوقف الحرب الطاحنة في سورية مع ضمانات دولية صارمة (وليس التقسيم الشكلي الذي سيحول الصراع الى حرب أهلية طاحنة علماً للساعة الصراع المرير والدامي لا يمكن وصفه بالحرب الأهلية أو الطائفية لدرجة كبيرة) ليكن واقعاً لكن بإتفاق بين ممثلي الأطراف والدول الداعمة لهم وليس تقسيم بقوة السلاح لأن ذلك سيؤدي الى مزيد من العنف!. للاسف الشديد الطائفة السنية الأن وبعد الجرائم المروعة التي ارتكبت بحقها من النظام باتت تعتبر الهوية المذهبية أهم بكثير من الهوية الوطنية وهنا لا يمكن للأمانة لومها كطائفة لأنه من غير المنطقي لوم أفراد وجدوا انفسهم محاربين من قبل الجميع عمليا، اللوم قع على الإسلام السياسي الذي خطف الثورة واللوم على مشايخ الدولار والدينار الذين كانوا ومنذ أول لحظة خدما للخليج وللخارج عموما بحيث أن بعضهم وصل لدرجة أنه يعتبر اليهودي اقرب اليه من السوري إن لم يكن في صفه الجهادي التحميري وبغض النظر ان كان خصمه علويا او سنيا او سواه. انعدام الوطنية لدى المعارضة ككل جعل من الإنتماء المذهبي هوية وجعل من الطائفية وسيلة دفاعية لدى غالبية السنة المعارضين.
قد يكون الحل الأمثل يتمثل بإعطاءالأقليات والأغلبية فرصة لتحكم نفسها بنفسها بعيدا عن التبعية القسرية وبعيدا عن آلة القتل الطائفية السائدة حاليا خاصة أن الوطنية أصلا غائبة عن أدبيات كل المعارضة الفاعلة والمدعومة عربيا ناهيك عن الفصائل المتأسلمة والإسلامية التي لا تؤمن أصلا لا بالوطن ولا بالوطنية!.
طالما الثورة بعد مصادرتها وبيعها للخارج أحيت فينا روح الجهاد الطائفي وثقافة التكفير العشوائي وجعلت من المشايخ أولياء على المجاميع البشرية داخل سورية شيء طبيعي أن يؤدي ذلك الى تقسيم سورية شاء من شاء وأبى من أبى لأن التقسيم النفسي حصل منذ أمد ليس بالقريب وبقي تكريس ذلك على الخريطة فقط!.
السؤال الذي قد يسأله البعض: هل أنا مع التقسيم؟؟؟. جوابي القطعي لا. لكن إن كان في التقسيم مخرجا للمآساة المروعة التي يعيشها السوريين ليكن ذلك لكن بإتفاق وبضمانات دولية صارمة!.
الثابت والمؤكد أن سورية التي نعرفها انتهت والشعب السوري الذي كان أصبح شعبا آخرا ولينظر أي منكم في المرآة وليتذكر وليقارن نفسه وأفكاره الأن مع ما كان عليه قبل الثورة؟.
بالمناسبة علم الثورة يرمز الى 3 دويلات كما هو معلوم!.

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع السوري أو توجهاته, بل هي مساحة حرّة لكن من يرغب بكتابة رأيه في الموقع, وتبقى سياسة الموقع هي الحياد فيما يتعلق بالرأي و احترام الآراء.

اترك رد