غرب كوردستان والإمتحان الأصعب

images

سؤال قد يبدو للبعض غريبا جدا لكن الأغرب إن لم نسأله أصلا!
هل قيام الخلافة المزعومة الداعشية كان مقدمة لقيام دولة كردية في الشمال السوري؟؟
هل معارك كوباني التي أعطت الأكراد دعما عالميا كبيرا وشرعنت للدول الأوربية دعمهم بشكل مباشر بحجة محاربة داعش كانت البداية!!؟؟
لماذا ننسى أن قائد الهجوم على كوباني (عين العرب) كان كرديا عراقيا وكان معه 500 كرديا داعشيا؟؟. ولكي لا نغرق في التحليلات دعونا ننتقل مباشرة الى الوضع الراهن في الحسكة لأنه نهاية مرحلة قديمة وبداية حقبة جديدة مختلفة كليا!.
الحسكة! مدينة ليست ككل المدن وأهميتها ليس فقط من موقعها ومن كونها مدينة متعددة الأعراق بل من كونها كانت بداية التدخل الفعلي الأمريكي العلني لقيام الدولة الكردية!. في الحسكة إنتهى شهر العسل بين النظام وبين القوات الكردية ، في الحسكة أعلنت أمريكا صراحة لمن لا يفهم أو لمن لا يريد الفهم أنها تدعم قيام دولة كردية وأنها مستعدة لحماية قوات تلك الدولة عسكريا (ٌقسد) إن تطلب الأمر وعمليا حلقت الطائرات الأمريكية فوق الحسكة للمرة الأولى بعد أن وجهت إنذارا للطيارين السوريين لمنعهم من إستهداف قوات سورية الديمقراطية لكن لدهشة الأمريكيين الطيارين السورين واصلوا قصفهم لمناطق انتشار القوات الكردية!.
التفاهمات السابقة بين قوات النظام وبين قسد على تقاسم الحواجز والمناطق انتهت والخلاف بات على المدينة ككل!.
صفقة منبج للساعة سرية وصفقات أخرى يرتب لها بالتأكيد سواء في جرابلس أو في الباب والهدف بالنسبة لأمريكا واحد وهو جعل خصوم الأمس “قسد” وداعش يقاتلون عدوا واحدا وهو النظام!. من هنا كان توجه داعش لفتح جبهة مطار كويرس كي تمنع النظام من إمكانية إستخدام قواته هناك على جبهات أكثر خطورة على “قسد”!.
على الطرف الموازي وفي الجهة الأخرى نسمع تضخيم اعلامي خليجي بمعظمه حول حشد الأكراد لقواتهم على الحدود الإيرانية ودعوات مشابهة للأحوازيين بالتحرك ضمن إيران!.
أي متتبع لأحداث المنطقة ككل بما فيها زيارة أردوغان المفصلية لروسيا سيجد أن الأصابع التي تحرك داعش والأكراد هي نفسها!!.من هنا نلاحظ الغزل التركي الصريح بإتجاه النظام ومن هنا جائت زيارة وزير الخارجية التركية الى إيران منذ يومين والملفت انه تم الإعلان عن الزيارة بعد يوم من حصولها ومن هنا اللقاء الثلاثي المرتقب بوتين أردوغان روحاني!.
تصريحات رئيس الوزراء التركي حول بقاء الأسد وحول اهمية الحوار مع الأسد كونه طرفا فاعلا وأساسيا في الكارثة السورية ومن هنا ايضا تصريحات روسيا عن مناورات بحرية ضخمة في شرقي المتوسط وبأن معركة كبيرة وشيكة على وقع الحدوث وأن طائراتها العملاقة تو 160 وسفن بحر قزوين ستشارك بالمعارك القادمة وطبعا على الإرهاب!!. المتتبع لسياسة إيران سيفهم فورا أن اعلان إيران عن تشكيل جيش لمساعدة حلفاء ايران في الخارج بقيادة سليماني أيضا يصب في ذات السياق وموجه طبعا للسعودية لأن دور السعودية والخليج عموما سيكون مؤيدا للأكراد بطلب أمريكي وبقبول سعودي لأن ذلك يضعف من قوة تركيا التي ترى فيها السعودية خصمها السني الأوحد وطبعا لأن أمريكا تريد ذلك القبول!.
السؤال المطروح ألى أي مدة سيكون موقف روسيا وإيران صارما وداعما لأردوغان وأي ثمن على أردوغان دفعه مقابل ذلك؟؟، قيام دولة كردية في سورية هو إعلان حرب على تركيا وتفجيرها من الداخل!، على الأقل أردوغان يعتقد ذلك ، أردوغان صرح مرارا أن أي إعلان عن قيام كيان كردي في سورية هو إعلان حرب على تركيا وتركيا مجبرة وقتها على التدخل العسكري بالرغم من كل تطمينات برازني له أن أي كيان كردي في سورية سيكون منضبطا ومعزولا عن الداخل التركي في الجنوب، أردوغان الماكر لا يثق ولن يثق بهكذا وعود خاصة أن وعود أمريكا له بأن الأكراد لن يتوجهوا غربا بإتجاه الباب وأنهم سيعودون إلى شرقي الفرات لم يتحقق ولن يتحقق.
صالح مسلم، زعيم حزب الإتحاد الديموقراطي الكردي كان في كردستان العراق للتشاور مع مسعود البرزاني عراب الانفصال الكردي وسط أنباء عن إجتماعات مفتوحة جمعته مع قائد “التحالف الاميركي” الجنرال الأميركي شون ماكفرلاند.
كافة الإحتمالات باتت مفتوحة وعمليا الخيارات صعبة على الجميع فقط النظام الرابح الوحيد من كل ذلك!، النظام إستطاع كسب العشائر العربية التي تقطن الحسكة والتي فهمت اللعبة أخيرا ووجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه لأنها عمليا في حرب مفتوحة مع النظام ووجدت نفسها مهددة ليس فقط في أمنها بل وفي وجودها في تلك المناطق والأقسى من ذلك أن عناصر من تلك العشائر كانت تقاتل مع قوات سورية الديمقراطية وعناصر كانت ومازالت تقاتل مع داعش!!. النظام طبعا سيقاتل على آخر معاقل الدولة السورية هناك والحقيقة ليست معاقل بل بؤر صغيرة جدا نسبيا لكن خسارته لتلك البؤر تعني تهجير تلك العشائر عن المنطقة!.
خطورة الموقف ليس فقط بالموقف الأمريكي بل بتورط حلف الناتو ككل في النزاع! أمريكا موجودة عسكريا بقوة المارينز التي أعلن عنها قبل يومين في الحسكة و في قاعدتي الرميلان وعين العرب، الفرنسيين والإنكليز والألمان متواجدين أيضا خاصة تلك الحكومات دعمت سابقا الأكراد في شمال العراق!، خطورة الموقف تكمن أن ذلك التواجد سيكون ذريعة لفرض حظر جوي أطلسي على شمال شرق سورية وهذا يعني إعلان الدولة الكردية أو ما يسمى غرب كردستان حتى وإن لم يعلن عن ذلك رسميا لفترة زمنية غير محددة!.
كل ما تقدم يجعلنا نتوقع سيناريو قد لا يتوقف على المنطقة تلك بل ويتعداه الى كل المناطق من حيث تعقيدات المشهد!.
أصعب الخيارات سيواجهها أردوغان، إيران وروسيا تفهمان ذلك جيدا ولذلك ستمارسا اقوى انواع الضغط على اردوغان الذي وجد نفسه في موقف لا يستطيع رفض طلباتهما بخصوص محاربة الإرهاب وطبعا كل ما يحصل في سورية هو إرهاب من وجهة نظر روسيا وإيران معا، إغلاق الحدود ووقف تسليح الفصائل في الشمال هو المقدمة. أول البارحة شاهدنا لأول مرة قصف مواقع للنصرة في دارة عزة في غرب حلب بثلاثة صواريخ مجنّحة من نوع كاليبر إنطلقت من سفينتين في شرق البحر المتوسط. .
روسيا القارئة الجيدة للمواقف الأمريكية ماضيها وحاضرها تفهم جيدا أنها تخوض معركة تتعدى سورية وتركيا وإيران والمنطقة ككل لذلك شاهدنا كيف وبصورة تكاد تكون فجائية إعلان روسيا عن تموضع طائراتها الإستراتيجية في إيران ، الإعلان عن ذلك هو رسالة واضحة لأمريكا وللأطلسي عموما أن قواعد اللعبة قد تغيرت وأن هناك حلفا إستراتيجيا قد تشكل فعلا وبالتحديد إنطلاقا من ذلك شاهدنا كيف دخلت الصين على الخط وكيف أعربت الصين عن دعمها للنظام عسكريا عبر الخبراء وعبر تقديم شحنات أسلحة متطورة وبشكل ملفت للنظر لأن الصين عادة غير معنية بالإنحياز بشكل علني لأي طرف في نزاعاته العسكرية وهذا من صميم السياسة الصينية كي لا تتضرر تجارتها العالمية! ، الأمر الأن مغاير والصين تفهم جيدا أن عدم وقوفها مع روسيا الأن يعني عدم وقوف روسيا مع الصين في المواجهة الباردة مع أمريكا في بحر الصين!.
الحسكة كانت البداية لكن لا أحد بالتأكيد يعلم كيف ستتطور الأمور وهل أمريكا مستعدة لمواجهة حقيقية مع روسيا وتركيا والصين وإيران على مشروع قيام الدولة الكردية؟؟.
هل أمريكا مستعدة لتسامح أردوغان على تحالفه الجديد مع روسيا والصين وإيران وبالمحصلة مع نظام الأسد والأهم هل ستسكت أمريكا عن تبدل سياسة تركيا بخصوص إغلاق الحدود لأن ذلك بالتأكيد يعني إضعاف الفصائل المقاتلة بصورة تجعل من الإنتصار عليها أمر سهل وهذا يخالف سياسة أمريكا القائمة على إدارة الصراع واستمراره وليس على إنتصار طرف على آخر ، أمريكا تدرك جيدا أنه فقط في حالة إستمرار الصراع سيكون ممكنا قيام دولة كردية وهذه الدولة الحديثة ستجعل من المنطقة ساحات حرب ربما لعشرات السنين وهذا يتوافق كليا مع سياسة أمريكا في المنطقة لأن ذلك يعني إستنزاف الجميع ويعني إبقاء الجميع تحت الوصاية الأمريكية دون أن تخسر أمريكا أي شيء !.

اترك رد