سورية الماضي والحاضر .. بقلم د.ناصر النقري

images

سوريا التاريخ والحضارة غير قابلة للتصحر وستبقى محصنة ضد الجهل الوافد حتى وان فاحت منه رائحة الحوريات وأنهار الخمر….او رائحة الريال والدولار!
ألا فاعلموا قبل فوات الآوان.

مازلنا نسمع الإسطوانة ذاتها حتى أصبحنا لاشعورياً نرددها بمناسبةٍ وبدون مناسبة!. اسطوانة التغنى بالحضارة الإسلامية ورموزها (التي بدون ادنى شك كانت موجودة والتي لعبت دوراً حقيقياً في نقل الحضارة اليونانة الى اوربا الغارقة بالظلام). السؤال المحير لماذا نتجاهل الحقيقة ولماذا نصر على التركيز على تلك الحقبة الزمنية المحددة ونتجاهل الأهم؟ هل قبلنا عن سوء نية او عن جهل ان حالة التصحر الحضاري التي سادت في شبه الجزيرة العربية قبل الاسلام هي حالة عامة وعلينا الصاقها بسورية الطبيعية ايضا؟، لماذا لا يتقبل عقلنا أنه شيء طبيعي الا تكون هناك حضارة في الصحراء العربية وأنه ليس انتقاصا من شبه الجزيرة العربية إن اعترفنا وفاخرنا بحضارة سورية القديمة؟، نشوء الحضارات يتطلب عوامل طبيعية وبشرية لا يمكن توفرها في الصحراء القاحلة.
سورية الطبيعية التي قدمت للبشرية اعظم الحضارات وقبل الاسلام بالاف السنين نتجاهلها كليا ونركز على حقبة معينة لم يقدم فيها المفكرين الاسلاميين اي جديد ولم يبتكروا اي شيء عمليا…كل ما فعلوه انهم ترجموا او اقتبسوا افكار ارسطو وافلاطون ونقلوها الى الغرب وهنا نتحدث عن بضعة كتب وبضعة مفكرين كتبوا عن الفلسفة عن الطب وساهموا بإيقاظ الغرب من سباته وبالمحصلة تم التأسيس لما يسمى الحضارة العالمية!.
يتبادر الى الذهن ان مثقفينا ومؤرخينا يتجاهلون وعن سابق اصرار كل الحضارة التي نشأت على ارض سورية الطبيعية والتي قدمت للبشرية الكثير الكثير في حقبات تاريخية اقدم من الاسلام بكثير.
هنا لا اقلل من اهمية المفكرين والفلاسفة المسلمين والذين بمعظمهم ينتمون لمجتمعات اسلامية غير عربية والذين اجتهدوا واقتبسوا وناقشوا افكار ارسطو وافلاطون من الفلاسفة اليونان. لماذا نركز على دور الوساطة ونتجاهل الإرث العظيم لشعوب سورية الطبيعية بدء من القرن 12 قبل الميلاد!.
لماذا نسخف تاريخنا؟ لماذا لا نحترم ارثنا الحضاري الضارب في القدم؟ لماذا قبلنا ان نقدم أنفسنا كوسطاء في نقل الحضارة اليونانية الى الغرب ؟ بكلمات اخرى لماذا نصر على التركيز ان الحضارة اليونانية هي مهد الحضارة العالمية؟؟. لماذا اتفق المثقفين والمؤرخين الاسلاميين على هذه الأكذوبة التاريخية؟ ام أنه يكفي ان نركز على بضعة مفكرين اسلامين كتبوا بضع كتب في الفلسفة والرياضيات والطب والعلوم ونتجاهل الأهم لأن ذلك كان قبل الاسلام؟.
الحقيقة الغائبة، والمغيّبة وراء هذه الأكذوبة، هي أن اسلافنا نحن، شعوب سوريا الطبيعيّة القديمة، هم من كان أول مؤسس للحضارة والعلوم والمعارف في التاريخ، قبل اليونان بأكثر من ألفي عام، وهم من نقلوا معارفهم وعلومهم إلى اليونان وحوض المتوسط، منذ ما قبل الميلاد، وعلينا طبعا عدم التقليل من دوراليونانيين وغيرهم في استيعاب هذه المعارف وإغنائها .
سوريا الطبيعية الممتدة من حوض النهرين دجلة والفرات شرقاً إلى البحر المتوسط غربا، ومن جبال طوروس شمالاً إلى حدود فلسطين – جنوبا والتي استوطنتها شعوب السومريين والأكاديين والآشوريين والعموريين والبابليين والكنعانيين والآراميين منذ ما قبل التاريخ المدوّن ( 8000 وربّما 12000 سنة ق م) وحتى القرن السابع الميلادي.
تقريبا كل المؤرخون أجمعوا أن التاريخ المدوّن يبدأ في الألف الثالث قبل الميلاد، ويرتبط ببدء الكتابة وابتكار حروف الأبجديّة لأول مرّة وكلاهما كان نتاجاً سومريّاً أكادياً ، قبل أن ينقله الكنعانيون الى اليونان وحوض المتوسط، بأكثر من ألف وخمسمائة سنة. الحضارة التي كانت نتاج محلي سوري خالص نشأ وتطور في بيئة محددة وبدون اختلاط مع مجتمعات غريبة اخرى على مدى الاف السنين ّ( الكتابة التصويرية السومريّة 5000 سنة قبل الميلاد، ثمّ الكتابة الصوتيّة التجريديّة السومريّة الأكاديّة 3000 سنة قبل الميلاد)،
بكلمات اخرى الحضارة السورية اقدم بكثير من اية حضارة اخرى ( اليونانيون شرعوا بالتدوين في القرن الثامن 800-700 ق.م).
المحزن والمقرف بآن واحد أنه في ذات الوقت الذي ينافق فيه مؤرخينا ومثقفينا نشاهد مؤرخين اجانب يتحدثون عن الحقيقة التاريخية وعن الدور البارز للحضارة السورية القديمة ودورها في نشر الحضارة لباقي الشعوب والمجتمعات.
يقول المؤرّخ أرنولد توينبي: ” إنّ السوريين اكتشفوا المحيطين الأطلسي والهندي، وكانوا أبدعوا الأبجديّة في الألف الثاني ق.م “، ويتابع في موضع آخر: ” إنّ التجّار الفينيقيين هم الذين علّموا الأمم القديمة كيفيّة استعمال حروف الهجاء، وهذه الرموز الغريبة هي حقاً الجزء الأثمن في تراث حضارتنا”.
يقول هيرودوت : ” إنّ قدمس جاء إلى بلاد اليونان، فأسّس مدينة قدميا، ثم مدينة طيبة، وعلّم اليونانيين استعمال الحروف الأبجديّة “، وتقول الأسطورة اليونانيّة إنّ قدمس ابن أغنور ملك صور جاء للبحث عن أخته أوروبا التي خطفها زوس كبير آلهة اليونان، وأن هذه الأميرة السوريّة الفاتنة أعطت اسمها للقارّة شمال المتوسّط.
في مجال الصناعة، فقد عرف الكنعانيون صناعة الفخار منذ ما قبل الألف السادس قبل الميلاد، ّثم اخترعوا عجلة العربة،وكنتيجة لذلك نشأت شبكات المواصلات البعيدة، بالإضافة إلى تقدّم صناعة النسيج والحياكة ّ وخلط المعادن ولحامها وصقلها وطرقها وترصيعها، وهي صناعات بقيت لفترات طويلة حكراً عليهم أن تعرفها الشعوب الأخرى.
تجارياً: يعترف العالم بالسبق الكبير للكنعانيين/ الفينيقيين في السيطرة التجارية على حوض المتوسط، واكتشافهم للمحيط الأطلنطي ودخولهم بحر الظلمات لأول مرّة في التاريخ.
المؤرّخ سترابو (القرن الأول قبل الميلاد) كتب: “يجب الإقرار بأنّ اليونان تلقوا في ما سلف عن الفينيقيين معارفهم في الفلك والرياضيات، ّ صور وصيدون كانت قبلة الباحثين عن كافة انواع العلوم في القرن الأول قبل الميلاد!
الصفر وما يعنيه ذلك اكتشفه علماء الحساب البابليين ، هم أنفسهم من كانوا يعلمون عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة، واستخلاص الجذور، وحل المعادلات المركبة من الدرجة الثانية، والمعادلات التربيعية بمجهولين أو أكثر، وكذلك المعادلات التكعيبية، هم أنفسهم من اكتشف مساحة المستطيل والمربع وشبه المنحرف والمثلث، وحجم متوازي المستطيلات، هم أنفسهم من وضعوا القوانين الرياضية التي وصل اليها او اكتشفها العلماء اليونانيّون بعد مرور 1500 سنة.
وحول علم الفلك، يقول ول ديورانت: ” كان علم الفلك البابلي الأساس الذي بني عليه التقويم المؤلف من اثني عشر شهراً، وإنّ تقسيم الشهر إلى أربعة أسابيع، وتقسيم مدار الساعة إلى اثنتي عشرة ساعة، وتقسيم الساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية “.
العالم الفلكي الكلداني نابو ريمانو (500 ق.م) الذي استند إلى علوم وسجلات أسلافه تمكن من وضع جدول لحركات الشمس والقمر، وأرّخ وقت كسوف الشمس وخسوف القمر، وهو من حسب طول السنة وحدّده بثلاث مائة وخمسة وستين يوماً وست ساعات وخمسين دقيقة وواحد وأربعين ثانية.
حتى في مجال الحقوق والقوانين، كانت شعوب سوريا القديمة السباقة في وضع الشرائع والنصوص القانونية، بدًء من أور نمّو (2112-2095ق.م) مؤسس الأسرة الثالثة في أور، الذي وضع أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم، ثم ابنه شولجي ملك أور (2095- 2047ق.م)، ثم لبت عشتار ملك ايسين (1934-1924 ق.م)، وصولاً إلى قوانين حمورابي ً التي قال عنها ول ديورانت إنّ “هذه القوانين من وجوه عدّة لا تقل رقياً عن شريعة أي دولة أوربية حديثة “، والمعروف أنّ أول مدرسة للحقوق في تاريخ العالم أسّست في بيروت في مطلع القرن الثالث للميلاد.
حتى الديمقراطية (التي يصورها لنا البعض كمنتج غريب عن حضارتنا في حدها الأدنى وضرب من الكفر وفق علماء الشريعة المتصحرين) عرفتها ومارستها شعوب سورية القديمة قبل الإغريق ّبقرون عديدة، يقول أرسطو في تعليقه على الأنظمة المدنية الكنعانية: ” إنّها أرقى قوانين الحكم في العالم “، ّالمؤرخ اليهودي يوسيفوس (القرن الأول للميلاد) كتب عن ديمقراطية الكنعانيين : ” كان في القرن الأول قبل المسيح مجلس شيوخ ديمقراطي في كل مدينة من المدن الكنعانية، وكانت مهمة المجلس الاجتماع دورياً لإدارة وتدبير شؤون المدينة ” ولعل من المثير للدهشة والإعجاب أنّ سومر قد تمتعت بحياة برلمانية راقية قبل ذلك بكثير، فحوالي 3000 ق.م اجتمع أول برلمان عرفه العالم في دورة علنية، وكان مؤلفاً من مجلس شورى أو شيوخ، ومن جمعية الشعب المؤلفة من ممثلي الشعب، وهذه الديمقراطية سبقت الديمقراطية اليونانية بأكثر من ألفي عام.
السؤال الأن لماذا تم تغييب كل ذلك ؟ لماذا التركيز على بضعة اسماء في العصر الإسلامي وإظهارها انها من ايقظ اوربا من جهلها ؟ هل بضعة كتب للفارابي أو ابن سينا او سواهم من صنعوا ومهدوا للحضارة الإنسانية الحالية؟
لماذا طمر مثقفينا ومؤرخينا كل ذلك الإرث الحضاري التاريخي واكتفوا بالترويج لإكذوبة ؟
الأغلب كل الأمر برمته يغود لما يسمى الفتج الاسلامي لبلاد الشام وتعظيم دور بعض العلماء المسلمين وكأن ذلك سيرفع من شان الدولة الاسلامية…عموما حبذا لو ان مؤرخينا يذكروننا بمصير اولائك العلماء وماذا حل بهم وكيف قتلوا واحرقوا وبفتاوى شرعية ومن شرعيي الدولة الاسلامية نفسها الذين يتغنون بحضارتها بفضل اولائك العلماء!.
الأن نلاحظ شيء مشابه يحصل ايضا على ارض سورية التي بقيت متميزة وفريدة في مرحلة ما بعد الفتح الاسلامي لها. شخصيا اجزم وبشكل قطعي انه لو كانت عاصمة الدولة الأموية في شبه الجزيرة العربية لما شهدنا التطور الهائل الذي كان من نتائج الخلافة الأموية وعلى كافة الأصعدة.
الأن هناك فتح جديد وتحت عنوانين متعددة وهذا الفتح ايضا يريد طمس كل شيء لكن بعناوين اخرى وبشعارات اسلامية لا تمت للإسلام بأي صلة!. الأن هناك اصرار اقليمي (مصدره شبه الجزيرة العربية) على تصحير وتهميش سورية الحضارة حاضرا ومستقبلا واستبدال الطابع المميز والفريد لسورية بطابع متصحر سيقضي على مستقبل سورية وحاضرها وطبعا على ما تبقى تاريخها.
الثابت لدي على الأقل ان ورثة تلك الجينات الذين أوجدوا اعظم حضارات في الماضي سيبقون محصنين ضد كل حملات التصحير الفكري التي تمارس ضدهم تحت عنوانين وشعارات دينية اسلامية وأتمنى الا ينسى البعض في شبه الجزيرة العربية ان من اوصل اليهم العلم والمعرفة في اواسط القرن الماضي اقوى بكثير من كل حملاتهم الجاهلية وان بضع رعاع هنا وبضع دهماء مأجورين هناك لم ولن يمثلوا السوريين. أتمنى من بعض مروجي الجهل في شبه الجزيرة العربية ان يغيروا من سلوكهم اتجاه السوريين وأؤكد لهم أنهم إن استمروا بالتعامل مع سورية الشعب والتاريخ بهذه الطريقة سيجدون أنفسهم في لحظة ما غرباء كليا عن عقول وضمائر السوريين وسيجد السوريين أنفسهم ذات يوم يجزمون أن أشقتهم في الجزيرة العربية هم أشد الناس كرها لهم وهذا ما لا اتمناه شخصيا.

اترك رد