السعودية وإيران, صراع المذاهب على أنغام الراب… د.ناصر النقري

images

بقلم: د.ناصر نقري

كما كان متوقعاً وخلافاً لكل مساعي السعودية واسرائيل عبر فرنسا, تم توقيع الإتفاق النووي منذ شهور واليوم تم الإعلان رسمياً عن رفع الحظر عن إيران حيث أصدر الرئيس أوباما مرسوماً بذلك وكذلك المفوضية الأوربية.
ماذا يعني ذلك للخليج تحديداً ؟، وكيف سينعكس على الوضع السوري عموماً وعلى الوضع في الخليج خصوصاً؟.

للأسف الشديد السعودية الآن ليست هي نفسها في عهد الراحل عبد الله أو الراحل فهد, والسياسة السعودية الحالية تفتقد لأهم ورقةٍ كانت الدبلوماسية فيها تستخدمها بحنكةٍ أيام مهندس الدبلوماسية, الراحل سعود الفيصل، فهي تخلت عن سياستها التي اتبعتها لعقودٍ طويلةٍ والتي دائماً كانت مثمرةً وفعالةً، تلك السياسة التي كان عنوانها احتواء الأزمات ومن ثم معالجتها بهدوءٍ ورويةٍ وحنكةٍ, دون اتباع سياسةٍ هجوميةٍ تضع أصدقاء المملكة إقليمياً وعالمياً في وضعٍ صعبٍ ومعقدٍ كما يحصل الأن!.

التغيرات في هرم السلطة في المملكة ووصول جيل الشباب إلى السلطة في مرحلةٍ بالغة الخطورة كالمرحلة الحالية لم يكن في صالح المملكة للأسف الشديد, وليس لأن جيل الشباب الحاكم فعلياً ليس مؤهلاً للقيادة، بل لأن المشاكل المتراكمة والتغيّر الكبير في طبيعة وتركيبة النظام العالمي أقوى بكثير من أن يتعامل معها جيل السلطة الحالي وفق رؤيته الحالية!.

السعودية الآن أحوج ما تكون إلى قيادةٍ حكيمةٍ جداً وهادئةٍ, وهذا للأسف غيرُ متوفرٍ حالياً لأن سلطة الشباب الحالية منهمكةً بمعارك داخلية صاخبة جداً, لتثبيت نفسها, ومنخرطةً بمعارك خارجية ما كانت لتكون أساساً لو لم تكن تلك القيادة الحالية بهذا العنفوان المتسرع والصاخب, والذي يعتقد أنه بإمكانه وراثة ليس فقط السلطة بل الإرث السياسي والأخلاقي والمعنوي الكبير للسعودية بصفتها قبلة المسلمين!.
جميعنا لاحظ التحول الكبير في سياسة المملكة الخارجية بعد رحيل الأمير سعود الفيصل رحمه الله, واتجاه المملكة إلى روسيا وطبعاً حكام المملكة يعلمون جيداً أن روسيا تَعتبر الوهابية منظمةً إرهابيةً عالميةً وتعاقب بالسجن أيّ منتسبٍ لها!، وجميعنا لاحظ فتور العلاقة بين أمريكا وبين المملكة السعودية ولست هنا لأحلل أسباب ذلك بل الأهم بالمحصلة أن نذكر أنّ طبيعة العلاقة الأمركية السعودية باتت مغايرةً كلياً لما سبق, والقادة السعوديين يدركون جيداً هذا الأمر وعوضاً عن معالجة تلك المشاكل بطريقةٍ ذكيةٍ فضلوا التوجه نحو روسيا وإقامة نوعاً من العلاقات التي ستحمي السعودية مستقبلاً من التغيرات القادمة في المنطقة ككل!.

أحداث العنف المتكررة في الغرب وعلاقة الجماعات الإرهابية بالوهابية جعل كل أوربا تصحو من غفوتها فجأةً, وبدأت الأصوات من هنا وهناك تارةً تحذّر السعودية وتارةً تدعو صراحة إلى إعادة تقييمٍ شاملةٍ للعلاقة مع السعودية, وتصريح نائب المستشارة الألمانية بهذا الخصوص مثال صارخ!.

أمرٌ آخر لم يحصل بتاريخ المخابرات الألمانية وهو التقرير الذي نشرته وحذرت فيه من سياسة الأمير الحاكم الفعلي للمملكة محمد بن سلمان وأنّ سياسته ستجلب المزيد من التوتر في الشرق الأوسط والعالم عموماً.
للأسف القيادة السعودية الحالية لم تلحظ التغيير الجوهري في بنية السلطة الحاكمة في أوربا عموماً، السلطة السعودية لم تلحظ أنّ اليمين بات يحكم معظم الدول الأوربية وهذا اليمين غير مستعدٍ كلياً أنّ يغمض عينيه عن تبعات نشاط كل الجماعات الدينية الوهابية الناشطة بقوةٍ في كل أوربا, والمسؤولة فعلياً عن كل الجرائم الإرهابية فيها!.

أوربا اليوم ليست أوربا منذ عقود ولاحتى نفس أوربا منذ سنوات, فهي الآن وبعد توفير مصادر إضافية للطاقة لم تعد مستعدةً مطلقاً لمهادنة أيّ نظامٍ دينيٍّ متطرفٍ يسبب لها الخوف والقلق, ولم تعد قادرةً على السكوت وعدم التنديد بكل الجرائم التي ترتكبها السلطة في المملكة ضد الناشطين وضد أيّ معارضٍ لحكمها!.
طبعاً من غير المنصف أن نقول أن الأسرة الحاكمة في السعودية وهابية متطرفة, أو أنها تغذي الإرهاب العالمي, بالعكس, الأسرة الحاكمة أبعد ما تكون عن التطرف الفعلي!، المشكلة أن الأسرة الحاكمة في السعودية تعتمد على السلطة الدينية المطلقة للسيطرة وتثبيت حكمها داخل المملكة، السلطة الحاكمة وجدت نفسها مجبرةً سابقاً على تخصيص مبالغ طائلةٍ لكافة الحركات الوهابية في العالم ، أكثر من 75 مليار دولار صرفته السعودية للترويج للوهابية عالمياً واقليمياً وبالتأكيد هذا القرار ليس نابعاً من رغبة الأسرة الحاكمة بل هو ابتزاز حقيقي من السلطة الدينية للأسرة الحاكمة!.
والآن وبعد تلك المقدمة الطويلة نسبيّاً لنعود إلى الواقع الحالي بعد رفع العقوبات عن إيران وكيف سينعكس ذلك على الخليج خاصةً وفي الشرق الأوسط عامة!؟
إيران باتت عضواً فاعلاً عالمياً وباتت شريكاً حقيقياً للولايات المتحدة ولأوربا وكلنا يعلم الزيارات المكوكية لكافة وزراء أوربا إلى طهران, والحديث عن التعاون الإقتصادي بين أوربا وأمريكا من جهة وبين إيران بات عنوان المرحلة القادمة، هذا التعاون يعني بالضرورة تقوية إيران سياسياً واقتصادياً وإعطائها دوراً أكبر في المنطقة عموماً. إيران التي باتت تصدّر الماء الثقيل لأمريكا!! ليست إيران المحاصرة بعقوبات قاسية بالتأكيد، إيران لم تخفي يوماً أطماعها في الخليج وفي الشرق الأوسط عموماً ودور إيران في سورية وفي اليمن ولبنان والعراق كلنا يدركه علماً أنها كانت تحت الحصار!.

واضح جداً أنّ امريكا باتت تعتبر الشرق الأوسط ليس أولويةً بعد إعلانها صراحة التوجه نحو آسيا تحديداً, ومن مصلحة أمريكا ليس محاربة إيران فعلياً بل إعطاء ها دوراً أكبر في المنطقة وعلى حساب الدول الإقليمية.

السعودية بطبيعة حكمها لا يمكن لأمريكا الإعتماد عليها كشريك حقيقي وعملي في المنطقة بعد اسرائيل!، واسرائيل لا يمكن ولا تصلح لتكون اللاعب البارز اقتصادياً لأمريكا في الشرق الأوسط!، لهذا أمريكا اختارت إيران لتكون الشريك الثاني لها خاصةً أنّ تركيا أردوغان أثبتت أنها لا تصلح للدور المرسوم للمنطقة مستقبلاً!.
بالتأكيد الغرب عموماً وأمريكا لا يريدون لإيران أن تكون القوة العظمى واللاعب الإقليمي الوحيد والأقوى!، لكن بآنٍ واحدٍ من مصلحة الغرب إبقاءها في علاقة متوترة مع السعودية والخليج عموماً, لأن ذلك يضمن هبوط أسعار النفط عموماً ويزيد من رغبة دول الخليج على الإنفاق العسكري والذي تذهب عائداته للغرب طبعاً وأيّ محاولةٍ للسعودية في تغيير سياستها بشكلٍ جوهريٍّ ومؤثرٍ باتجاه روسيا ستقابل غربياً بدعمِ مواقف إيران حليفة موسكو ضد السعودية, حتى لو تطلب الأمر الدخول في حربٍ مفتوحةٍ مع الخليج والخليج يعلم جيداً أنّ هكذا حرب, ستكون مدمرةً له وستكون لصالح الغرب وإيران حتى لو لم تربح إيران الحرب!!.

الآن حربٌ مفتوحةٌ في اليمن ولا أحد عملياً يريد إيقاف الحرب هناك, لأن تلك الحرب تستنزف السعودية مالياً وعسكرياً وهذا بدوره يجبر السعودية على شراء المزيد من الأسلحة وبآن واحدٍ ولو بشكلٍ محدودٍ يستنزف إيران وهذا المطلوب بالضبط!.
السعودية بدون أدنى شكٍّ تورطت بحربها في اليمن ولا تستطيع فرض وقف الحرب ولا تستطيع تحقيق النصر الحاسم, وتدريجياً الحرب تقترب من الحدود السعودية وهناك معارك دارت داخل الأراضي السعودية أصلاً.

للأسف الشديد القيادة السعودية ضخّمت كثيراً من قدرتها العسكرية الحقيقية والواقعية ومراهنتها على الأصدقاء أثبتت فشله علمياً, ومراهنتها سياسياً على أمريكا لفرض وقف إطلاق نارٍ في اليمن أيضاً كانت فاشلة!.

الكارثة القادمة على السعودية حتى لو توقفت الحرب في اليمن هي القاعدة التي باتت قويةً جداً والتي استفادت من الدعم السعودي لمحاربة الحوثيين وصالح وسنجد تلك القاعدة تتجه شمالاً إلى المملكة فور وقف العمليات في اليمن!.
لا مبرر للحديث عن الصفعات المتتالية التي تلقتها السعودية في سورية والصفعات القادمة ستكون مؤثرةً ومؤلمةً أكثر!،لا تركيا ولا الحلف الإسلامي الوهمي قادرٌ على منع تلقي الصفعات لأن تلك الصفعات تدخل في صلب الإتفاق النووي مع ايران!.

حتى مؤتمر الرياض ومقرراته الكل يريد تجاوزه وأهمهم أمريكا, الخطوة والصفعة السياسية القادمة للسعودية ستكون بتصنيف معظم الفصائل المدعومة من الرياض كمنظماتٍ إرهابيةٍ وهنا يكون دور السعودية قد انتهى كليا… ولن يكون بمقدور الرياض أن تلعب أي دورٍ مؤثرٍ وحقيقيٍّ في الكارثة السورية وأي حلٍّ سياسيٍّ في سورية سيكون مخالفاً لكل توقعات الرياض ولحلفائها الداخليين..!.
أعتقد القيادة السعودية تدرك جيداً ماذا يعني خروجها من الكارثة السورية بدون أية مكاسب لحلفائها، وتدرك جيداً أنّ خسارتها في سورية ستترجم فوراً في لبنان عبر إقصاء حلفائها هناك وتهميش دورهم إلى الحدود الدنيا وهذا يعني سيطرة حزب الله حليف إيران المباشر وذراعها العسكري، حتى تنازل السعودية في موضوع انتخاب حليف بشار الأسد رئيسا للبنان لن يكون كافيا لمنع هيمنة إيران على كل لبنان سياسيا وعسكريا !. خسارة السعودية وهي عمليا واقعة لا محالة في سورية تعني اعطاء الصراع في اليمن زخما اضافيا سيجعل السعودية تغرق أكثر في العجز المالي لهذه السنة المالية بعد عجز ولأول مرة في تاريخ المملكة الحديث قدر ب 87 مليار دولاروهذا العجز سيكون مضاعفا لهذا العام نظرا لإزدياد الإنفاق العسكري الحربي ونظرا للهبوط الحاد في اسعار النفظ والذي سببه بالمناسبة سياسة السعودية النفطية!!. أي محاولة من الحكومة السعودية لضبط الإنفاق الحكومي عبر اتباع سياسة التقشف وضبط الهدر ستولد رأي عام مناهض لسياسة الحكومة داخل المملكة وستعطي خصوم ومعارضي السلطة داخل المملكة اوراق اضافية وفعالة لزيادة الضغط على الحكومة وعلى السلطة الحاكمة ككل وبدون ادنى شك سيترجم ذلك تصعيداً شعبياً خاصة في مناطق المملكة الشرقية الغنية جدا بالنفط والمهمشة خدميا مقارنة مع باقي مناطق المملكة خاصة في ضوء التوترات الطائفية بعد اعدام الشيخ نمر النمر!. كل ذلك سيمكن إيران من إمكانية التغلغل أكثر ضمن شرائح معينة داخل المجتمع السعودي.
بالتأكيد خروج ايران منتصرة في سورية سيعطي الحراك في البحرين طابعاً مغايراً لما نشهده حالياً وهذا بدوره سيضع المملكة أمام تحديات اضافية تضعف موقفها السياسي والإقتصادي.
السؤال المنطقي ما العمل وكيف للسعودية حماية نفسها من إيران ومن سياستها في المنطقة!
لن أجاوب الآن على هذا السؤال خاصةً أنّ الأخوة السعوديين آخر همهم الآن كما أرى هو معالجة الكوارث وكل سياستهم الحالية تصب في زيادة التوترات وإضعاف البنية الداخلية للمجتمع السعودي والتي بدورها ستكون ورقةً رابحةً بيد إيران لضرب السعودية من الداخل…
عموماً الحل يكمن في معالجة النقاط التي ذكرتها في مقالتي.
شخصياً وبالرغم من مواقفي المتشددة اتجاه السعودية بسبب سياستها العقيمة, أتمنى أن تجد السعودية في نفسها القدرة على معالجة الأخطاء وعدم إعطاء إيران أي دورٍ تخريبيٍّ داخل المملكة.

اترك رد